السيد الطباطبائي
255
نهاية الحكمة ( تعليقات الزارعي السبزواري )
أنّ القضاء قضاءان : ذاتيّ وفعليّ - كما تقدّم بيانه - . وأمّا القدر : فهو ما يلحق الشيء من كمّيّة أو حدّ في صفاته وآثاره . والتقدير تعيين ما يلحقه من الصفات والآثار تعيينا علميّا يتبعه العمل على حسب ما تسعه الأسباب والأدوات الموجودة ، كما أنّ الخيّاط يقدّر ما يخيطه من اللباس على الثوب الّذي بين يديه ثمّ يخيط على ما قدّر ، والبنّاء يقدّر ما يريده من البناء على القاعة [ 1 ] من الأرض على حسب ما تسعه وتعيّن عليه الأسباب والأدوات الموجودة عنده ، ثمّ يبني البناء على طبق ما قدّر لأسباب متجدّدة توجب عليه ذلك ، فالتقدير بالنسبة إلى الشيء المقدّر كالقالب الّذي يقلب به الشيء فيحدّ به الشيء بحدّ أو حدود لا يتعدّاها . وإذا اخذ هذا المعنى بالتحليل حقيقيّا انطبق على الحدود الّتي تلحق الموجودات المادّيّة من ناحية عللها الناقصة بما لها من الصور العلميّة في النشأة الّتي فوقها ، فإنّ لكلّ واحدة من العلل الناقصة بما فيها من الحيثيّات المختلفة أثرا في المعلول يخصّص إطلاقه في صفته وأثره . فإذا تمّ التخصيص بتمام العلّة التامّة حصل له التعيّن والتشخّص بالوجود الّذي تقتضيه العلّة التامّة . فللإنسان - مثلا - خاصّة الرؤية ، لكن لا بكلّ وجوده ، بل من طريق بدنه ؛ ولا ببدنه كلّه ، بل بعضو منه مستقرّ في وجهه ، فلا يرى إلّا ما يواجهه ؛ ولا كلّ ما يواجهه ، بل الجسم ؛ ولا كلّ جسم ، بل الكثيف من الأجسام ذي اللون [ 2 ] ؛ ولا نفس الجسم ، بل سطحه ؛ ولا كلّ سطوحه ، بل السطح المحاذي ؛ ولا في كلّ وضع ؛ ولا في كلّ حال ؛ ولا في كلّ مكان ؛ ولا في كلّ زمان . فلئن أحصيت الشرائط الحافّة حول رؤية واحدة شخصيّة ألفيت جمّا غفيرا لا يحيط به الإحصاء ، وما هي إلّا حدود ألحقتها [ 3 ] بها العلل الناقصة الّتي تحدّ الرؤية المذكورة بما تضع فيها من أثر ومنها ما يمنعه الموانع من التأثير .
--> ( 1 ) وهي ساحة الدار . ( 2 ) وفي النسخ : « ذا اللون » والصحيح ما أثبتناه . ( 3 ) وفي النسخ : « ألحقها » والصحيح ما أثبتناه .